صديق الحسيني القنوجي البخاري
138
فتح البيان في مقاصد القرآن
وفي القرطبي قلت ويزاد إلى هذه الآيات أول سورة يس إلى قوله فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ يس : 9 ] فإن في السيرة في هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومقام عليّ في فراشه قال : وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذ حفنة من تراب في يده وأخذ اللّه على أبصارهم فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس حتى فرغ ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن ينصرف . وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً جمع كنان وهي الأغطية وقد تقدم تفسيره في الأنعام وقيل هو حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ [ البقرة : 88 ] وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] أَنْ يَفْقَهُوهُ أي كراهة أن يفقهوه أو لئلا يفقهوه أي يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني . وجعلنا وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً أي صمما وثقلا كراهة أن يسمعوه أو لئلا يسمعوه ومن قبائح المشركين إنهم كانوا يحبون أن يذكر آلهتهم كما يذكر اللّه سبحانه فإذا سمعوا ذكر اللّه دون ذكر آلهتهم نفروا عن المجلس كما قال تعالى : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ يقال وحد يحد وحدا وحدة نحو وعد يعد وعدا وعدة فهو مصدر سد مسد الحال أصله يحد وحده بمعنى واحدا ، وقال يونس منصوب على الظرف . وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً هو مصدر بمعنى التولية والتقدير هربوا نفورا أو نفروا نفورا ، وقيل جمع نافر كقاعد وقعود قاله البيضاوي والشهاب والأول أولى ، وقيل المصدر في موضع الحال والمعنى ولوا نافرين ، قال ابن عباس : ولوا نفور الشياطين . نَحْنُ أَعْلَمُ بِما أي بالحال الذي يَسْتَمِعُونَ القرآن بِهِ أي متلبسين به من اللغو والاستخفاف والهزء بك وبالقرآن ، وقيل الباء للسببية أو بمعنى اللام وعبارة الكواشي بما يستمعون به هازئين ، وقال الزمخشري : يستمعون بالهزء إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ظرف لأعلم وفيه تأكيد للوعيد . وَإِذْ هُمْ نَجْوى أي ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم وقت تناجيهم وقد كانوا يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء إِذْ بدل من إذ قبله يَقُولُ الظَّالِمُونَ أي الوليد بن المغيرة وأصحابه إِنْ تَتَّبِعُونَ أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم ما تتبعون إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي سحر به فاختلط عقله وزال عن حد الاعتدال . قال ابن الأعرابي : المسحور الذاهب العقل الذي أفسد من قولهم طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها وقيل هو المخدوع لأن السحر الحيلة والخديعة وذلك لأنهم زعموا أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعلم من بعض الناس وكانوا يخدعونه بذلك التعليم .